العنوان كان لمقطوعه موسيقيه كلاسيكيه من تأليف "كلود ديبوسي" لا تتجاوز مدتها العشر دقائق ، وضعها لأجل باليه سيمفوني راقص حمل العنوان ذاته ، و كلا العملين مستوحى من قصيدة رمزيه كتبها "ستيفان مالارميه " مابين عام ١٨٦٥ و ١٨٦٧ ميلاديه لتنشر بشكلها النهائي عام ١٨٧٦ ميلاديه .
تحدث بها عن التجارب الحسية لـ " فان " الذي استيقظ من قيلولته ليسرد تأملاته و يبوح بافكاره و مشاعره اتجاه كل ما حدث له و صادفه مع حوريات حسان التقى بهن في المنام .
و فان هو مصطلح لشخصية اسطورية وردت في الحضارات الرومانيه القديمه ، نصفها الاعلى وحتى الخاصرة على هيئة انسان له قرنان صغيران اما النصف الاسفل فهو على هيئة ماعز و ربما كان في هذا تعبير ما عن الصراع بين حكمة العقل و سيطرة الغريزة في حياة رغم المدنية قد يسودها قانون الغاب .
وقد درج في اواخر القرن التاسع عشر و عند ظهور منهج الرمزية بالادب و الفن في فرنسا ان يتم استخدام الكثير من الشخصيات الاسطوريه والخياليه في بعض الاعمال و في هذا النص انطلق الشاعر في تأمل هذا الكون و التعبير عن اسراره التي اختبرها " فان " ساعيا في اعطاء القارئ انعكاس جلي لاعماقه و احلامه الداخليه ، وقد برع " مالارميه " في هذا المجال الى ان بات لدى مؤرخي الادب مؤسس الرمزيه كما اعتبر " ديبوسي " مؤسس الرمزيه الموسيقيه .
اما اختيار وقت الاصيل كزمن للقصيده فاراه اختيار شاعري موفق كونه الوقت الذي يسبق الغروب و به تنشر الشمس احلى اشعتها مهدية للمدى افضل الوانها وكانها توادع الارض وتلوح لها بشعاعها الذهبي الجميل .
هذه الموسيقى وتلك القصيده الهما المخرج الايطالي برونو بازيتوز بمرحلة السبعينات لاصدارها من جديد و عرضها عام ١٩٧٦ ميلاديه في مهرجان شيكاغو الدولي للسينما كجزء من فيلم " Allegro non troppo " و هو عمل يتكون من باقة افلام رسوم متحركه قصيره تحكي قصة ما على ايقاع موسيقى كلاسيكي لمعزوفات شهيره ، ربما كانت الفكرة تحاكي ما قدمته شركة والت ديزني في فيلم فانتازيا لكن مع اختلاف عميق فالفيلم هنا قادم من سينما مستقلة لا تتبع شركة كبرى لها طابع معروف و انطباع مسبق لدى الناس او جمهور من فئة عمريه محدده يجبرها على الاغلب ان تتحرك وفق شروط وحسابات معينه في كل ما تقدمه كونها مقرونة به ، بينما في العمل الايطالي الجمهور ليس محدد او مصنف والخيال هنا اكثر جموحا و انطلاقا و تجاوزا .
خلال هذا العمل الذي عرض بعد مائة عام من نشر القصيده حافظ المخرج - والذي شارك في كتابته - على موسيقى ديبوسي و روح النص لكنه اضاف بعدا جديد نتأمل به شخصية " فان " الذي يظهر على الشاشة مرهقا بشيخوخته ضعيفا امام رغباته و امام عوامل الزمن ، يرغب ان يستعيد شبابه المفقود كي يتكيف مع هذه الثنائيات التي تحيطه و تعمق شعوره بالوحده الا انه اثناء محاولاته هذه يسقط في فخ شيخوخته من جديد .. مشاهده ممتعه .
من أجمل ما سمعت وشلهدت عاليوتيوب.
رائعة تستحق الشكر الجزيل عليها.
arafeet 1 month ago